محمود سالم محمد
163
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
قصائد خاصة ، وهذا ما جعل الدكتور زكي مبارك يقطع بأن المتصوفة « ابتدعوا فن المدائح النبوية » « 1 » . وأن « المدائح النبوية من فنون الشعر التي أذاعها التصوف » « 2 » . ولم يظهر لي ما ذهب إليه الدكتور زكي مبارك ، فالمدائح النبوية ظهرت في زمن متقدم على هذا الشعر ، وخاصة في المغرب العربي ، وأما ما ظهر عند المتصوفة من مدح نبوي ، فهو لا يزيد عما ظهر عند الشعراء من الشيعة أو السنة على حد سواء ، وإذا أفرد المتصوفة المديح النبوي في قصائد خاصة ، فإن مدحهم هذا من المديح النبوي العام ، يفترق عن باقي شعر التصوف الذي ذكر فيه النبي الكريم ضمن موضوعات كثيرة ، كما هو الأمر في قصائد ابن الفارض وابن عربي وأضرابهما من المتصوفة . والقضية الهامة التي يحسن الوقوف عندها في شعر التصوف ، والتي تتعلق بالمدائح النبوية هي قضية الحقيقة المحمدية ، التي قال بها شعراء المدائح النبوية جميعهم ، والتي اختلف الباحثون فيمن أتى بها أول مرة . فمنهم من قال إن المتصوفة هم الذين ابتدعوها ، ومنهم من قال إن الشيعة هم الذين أدخلوها إلى الفكر العربي ، ومنهم من ذهب إلى أن أهل السنة هم الذين قالوا بالحقيقة المحمدية ، وأخذها الشيعة والمتصوفة عنهم . والحقيقة المحمدية ، أو نظرية تنقل النور المحمدي ، أو قدم الوجود المحمدي ، هي القول بأن النور المحمدي موجود قبل هذا الوجود ، وأنه تجسد في شخص آدم ، وظل ينتقل من نبي إلى نبي حتى ظهر في شخص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والصوفية يذهبون إلى أن هذا النور لا زال ينتقل من قطب إلى قطب ، وسوف يظل كذلك إلى يوم الدين . وقد عبّر الدسوقي عن اعتقاد الصوفية في الحقيقة المحمدية ، وانتقالها إلى الأقطاب في قوله :
--> ( 1 ) مبارك ، زكي : التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق 1 / 88 . ( 2 ) مبارك ، زكي : المدائح النبوية في الأدب العربي ص 17 .